المنجي بوسنينة

28

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الفلسفة ، والرياضيات ، والتاريخ ، والجغرافيا ، والطب ، والأدب ، والنحو وغيرها . وعندما ذهب أبو زيد البلخي إلى مكة المكرّمة لأداء مناسك فريضة الحج ، اجتمع ببعض العلماء المشتغلين في الفلك والجغرافية والأدب والفقه ، فتبادل معهم الرأي في كثير من الأمور ، خاصة ما يتعلّق بالعلوم الشرعية والتجريبية . وكان من نتائج هذا الحوار مؤلفه الشهير في الجغرافية « صور الأقاليم » الذي يعدّ أول أطلس للإسلام جمع فيه خرائط تشمل صور الأقاليم والبلدان . وقد نقل عنه في ذلك الإصطخري في كتابه « صور الأقاليم » . وتوجد بعض هذه الخرائط في مجموعة كونراد ميلر - Konard Miller - المسماة بالخرائط العربية Mapae - Arabicae . وقد كانت مواقف أبي زيد ومعتقداته موضوع أخذ وردّ . فقد قيل إنّه كان تارة « يطلب الإمام ومرّة كان يسند الأمر إلى النجوم والأحكام . . » . وقيل أيضا إنّ تعمّقه في الفلسفة وأسرار علم التنجيم والهيئة وبحثه في علم الطبّ والطبائع وأصول الدين كلّ ذلك « قاده إلى الحيرة وزلّ به عن النهج الأوضح » [ معجم الأدباء ، 3 / 73 ] . ويعتبر أبو حيان التوحيدي أنّه « سيّد أهل المشرق في أنواع الحكمة » ، لكنّه فشل في التوفيق بين الشريعة والفلسفة ، وخاب في ادّعائه « أنّ الفلسفة مقاومة للشريعة ، والشريعة مشاكلة للفلسفة » ؛ كما خاب في نشر الفلسفة استجابة لطلب أمير خراسان « فشتّت الله كلمته وقوّض دعامته وحال بينه وبين إرادته » [ الإمتاع والمؤانسة ، 2 / 15 ] . لكن لم يتردّد أبو حيّان في التنويه بكتابه في نظم القرآن كما أنّ كتابه في البحث عن التأويلات الذي تناول فيه طريقة تأويل القرآن وخاصّة مبالغات الإسماعيلية في ذلك حظي برضى العلماء ، فقال فيه بعضهم : « ما صنف في الإسلام كتاب أنفع للمسلمين من البحث عن التأويلات » [ معجم الأدباء ، 3 / 80 ] . وقد أثار هذا الكتاب غضب الحسين بن علي المروزي القرمطي فقطع عنه ما كان يصله به من مال . كما أنّه وضع كتابا بعنوان « القرابين والذبائح » أثار عليه غضب محمد بن أحمد الجيهاني وزير نصر الساماني فقطع عنه أيضا ما يعطيه من مال ، لأنّ هذا الوزير كان ثنويا يقول بإله الخير وإله الشرّ ، لهذا ولتخلّيه عن مذهب الإمامية قال فيه بعضهم : « كان قويم المذهب ، قويم الاعتقاد . . وأنّه لم يعثر له مع ما له من المصنّفات الجمّة على كلمة تدلّ على قدح في عقيدته » [ معجم الأدباء ، 3 / 75 ] . ولئن تنوّعت مصنّفات البلخي وشملت معارف عدّة من فلسفة وكلام ونجوم ونحو وشعر وسياسة وأخلاق ونظم للقرآن . . فقد اشتهر خاصة بكتابه « صور الأقاليم » باعتباره أصل مصنفات الإصطخري وابن حوقل ، وبكتابه « مصالح الأبدان والأنفس » الذي ربط فيه بين الأمراض النفسية والأمراض العضوية ، فكان أوّل من فعل ذلك بين هذين النوعين من الأمراض ، وعالج قضيّة المحافظة على صحّة الإنسان منطلقا من مبدأ النظر إلى البدن والنفس البشرية معا ؛ وبتعبيره الخاص « فإن إضافة تدبير مصالح الأنفس إلى تدبير مصالح الأبدان أمر صواب ، بل هو مما تمس الحاجة إليه ويعظم به الانتفاع لاشتباك أسباب الأبدان بأسباب الأنفس . فإن الإنسان ، قوامه بنفسه